نخبة من الأكاديميين
381
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وصفه وصفاً دقيقا : " سنة ثلاث عشرة ومئتين وألف 1213 ه - ( 1798 حملة نابليون ) ، وهي أولى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور وترادف الأمور وتوالي المحن واختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال وفساد التدبير ، وحصول التدمير وعموم الخراب وتواتر الأسباب ، وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " « 1 » . يشعر الجبرتي " باختلال الزمن " . ومن يقرأ سياقات هذا الاختلال في توصيف المجتمع المصري وسلطاته وهيئاته وطبقاته عند اختراق القوى الفرنسية لهذا المجتمع ، يشعر أن لهذا الاختلال معنى ملتبساً وشديد التعقيد ، فهو من جهة اختلال بالمعنى " اللاتاريخي " أي بالمعنى الذاتي لدى الجبرتي ، اختلال الصورة التي رسمتها الثقافة الإسلامية المتأخرة والتي جمدت التاريخ في بنى ذهنية ونمط من العلاقات الاجتماعية ، يلخصها " تدبير " يجري بين سلطنة ورعية وولاية وشيخ وحرفة وسوق وطريقة صوفية . . . وهو من جهة أخرى " اختلال " بالمعنى التاريخي المقارن ، أو بالمعنى التاريخي العالمي حيث يستحضر في المشهد التاريخي الواحد أنماط ونماذج من الثقافات والمجتمعات والبشر ، فيبدو الخلل والاختلال بصور من الأشكال المقارنة بين حضارة وحضارة وبين مجتمع ومجتمع . ولنتذكر في هذا السياق أن الفكر التاريخي العربي الإسلامي القديم ( الكلاسيكي ) لم ينمُ ولم يزدهر إلّا من خلال " عالميته " ، أي من خلال منهجه المقارن والذي تتجلى معالمه عند واحد كالمسعودي أو واحد كمسكويه أو واحد كابن خلدون . أما الجبرتي ، فصحيح أنه كان لا يزال يحمل إرث الثقافتين : الثقافة الفقهية التقليدية والثقافة التاريخية ذات الميراث الخلدوني ( شأنه في هذا الازدواج شأن ابن خلدون نفسه ) ، إلا أن " الثقافتين " لديه تظلان ملتبستين في عصر أضحت العالمية ومركزها خارج نطاق الجغرافية التاريخية الإسلامية وخارج نطاق الوعي بها وبديناميتها وحركيتها وآثارها . الجبرتي يسجل بذاكرة إخباري شديد الملاحظة والتنبه ، وبوعي سياسي شديد الحساسية تجاه سياسات العصبيات الحاكمة والهيئات النافذة في المجتمع ( الأعيان والعلماء ) من جهة ، ومسلكيات العامة في المدينة والأرياف ، من جهة أخرى . ولكن تظل الثقافة الفقهية التقليدية في هذا التسجيل ، وقد أضحت منذ عصور السلطنات ( بدءاً من السلجوقية إذا صح الافتراض ) ثقافة الشروح والتقليد وإيديولوجية السلطة التي تشرعن العلاقة بين الهيئة الحاكمة والرعية ، تظل هذه الثقافة هي المرجعية الكامنة المؤدية صراحة أو ضمنا إلى الحكم على التاريخ وعلى مساره وتحولاته ، وعلى ما يتفاعل فيه وما يحصل وما يثور منه من انقلابات قد تبدو وكما هي حال الحملة الفرنسية " اختلالا في الزمن " و " انقلابا للموضوع " و " انعكاسا " للمطبوع " . يعبر الجبرتي عبر هذا الحشد من المفردات عن حالة ذهنية شديدة الالتصاق بواقع الأشياء ، لكن هذه الحالة تظل متجاذبة بين تسجيل المؤرخ الإخباري ( الراوي الثقة ) " لاختلاف الأحوال " ، وبين
--> ( 1 ) . عبد الرحمن الجبرتي ، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار ، بيروت ، دار الجيل ، ط 1978 .